القرطبي
61
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لأنه قد ارتبط من قوله : إنه لا يأخذ منهم الخرج فلم يبق إلا استدعاء المناولة ، وأعمال الأبدان . و " زبر الحديد " قطع الحديد . وأصل الكلمة الاجتماع ، ومنه زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله . وزبرت الكتاب أي كتبته وجمعت حروفه . وقرأ أبو بكر والمفضل " ردما ايتوني " من الاتيان الذي هو المجئ ، أي جيئوني بزبر الحديد ، فلما سقط الخافض انتصب الفعل على نحو قول الشاعر : ( 1 ) * أمرتك الخير . . . * حذف الجار فنصب الفعل . وقرأ الجمهور " زبر " بفتح الباء . وقرأ الحسن بضمها ، وكل ذلك جمع زبرة وهي القطعة العظيمة منه . قوله تعالى : ( حتى إذا ساوى ) يعني البناء فحذف لقوة الكلام عليه . ( بين الصدفين ) قال أبو عبيدة : هما جانبا الجبل ، وسميا بذلك لتصادفهما أي لتلاقيهما . وقاله الزهري وابن عباس ، كأنه يعرض عن الآخر ، من الصدوف قال ، الشاعر : كلا الصدفين ينفذه سناها * توقد مثل مصباح الظلام ويقال للبناء المرتفع : صدف تشبيه بجانب الجبل . وفي الحديث : كان إذا مر بصدف مائل أسرع المشي . قال أبو عبيد : الصدف والهدف كل بناء عظيم مرتفع . ابن عطية : الصدفان الجبلان المتناوحان ( 2 ) ولا يقال للواحد صدف ، وإنما يقال : صدفان للاثنين ، لان أحدهما يصادف الآخر . وقرأ نافع وحمزة والكسائي " الصدفين " بفتح الصاد وشدها وفتح الدال ، وهي قراءة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر بن عبد العزيز ، وهي اختيار أبي عبيدة لأنها أشهر اللغات . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو : " الصدفين " بضم الصاد والدال وقرأ عاصم في رواية أبي بكر : " الصدفين " بضم الصاد وسكون الدال ، نحو الجرف والجرف . فهو تخفيف . وقرأ ابن الماجشون : بفتح الصاد وضم الدال . وقرأ قتادة : " بين الصدفين " بفتح الصاد وسكون الدال ، وكل ذلك بمعنى واحد . وهما الجبلان المتناوحان .
--> ( 1 ) هو عمرو بن معدى كرب الزبيدي والبيت بتمامه : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب ( 2 ) التناوح : التقابل .